من سيخلف مادورو؟
أحدث غياب الرئيس فجأة فراغاً سياسياً أثار تساؤلات واسعة حول قيادة المرحلة المقبلة. وبالرغم من أن الدستور الفنزويلي يحدّد آليات واضحة في حالات الشغور، إلا أن العملية الأميركية ومخالفتها للأطر القانونية الداخلية جعلت السؤال عن الخلافة معلقاً.
وتعكس الإفادات الشعبية والرسمية انقساماً سياسياً واجتماعياً قديماً عاد إلى الواجهة، من دون أن يتحوّل إلى صدام مباشر. بين من يرى في ما جرى فرصة لإعادة ترتيب المشهد، ومن يعتبرها تدخلاً في السيادة الوطنية، يفضّل معظم الفنزويليين الانتظار.
وأوضح مسؤول أمني فنزويلي تحفّظ عن ذكر اسمه، لـ«الأخبار»، أن «الخيارات الدستورية قائمة، لكن الظروف الاستثنائية تتطلب مقاربة مختلفة»، مضيفاً أن أي خطوة غير مدعومة بتوافق داخلي «ستظل هشّة».
وشدد المسؤول على أن «المجلس الوطني والمؤسسة العسكرية عنصران حاسمان لتحديد مستقبل المرحلة الانتقالية».
وأكد الخبير القانوني الفنزويلي، مايكل مورينو، في حديث لـ«الأخبار»، أن أي «اعتقال للرئيس يجب أن يتم وفق أحكام الدستور والمحاكم المختصة بعد قرار واضح من المجلس الوطني»، معتبراً أن ما حصل «خارج هذه الإجراءات ويشكّل انتهاكاً للقانون».
وأضاف مورينو: «الاعتقال من قبل قوة خارجية يفتح نقاشاً حول السيادة وهذا سيترك آثاراً طويلة على شرعية القيادة البديلة وثقة الشعب بالمؤسسات».
وأشار الموظف الحكومي المتقاعد، راؤول غارسيا، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «كاراكاس استيقظت على صدمة جماعية والهدوء في الشوارع لا يعكس الاطمئنان، بل ترقّباً حاداً».
صباح يشبه صباح العراق في 2003
وصف الفنزويليون الساعات الأولى بعد الإعلان الأميركي بأنها «صادمة ومربكة»، مع تشبيه لافت بصباح بغداد عام 2003.
وأشار صاحب أحد المتاجر، في كاراكاس، لويس راميريز، لـ«الأخبار»، إلى أن «الذاكرة الشعبية تستحضر تجارب بلدان دخلت مرحلة انتقال قاسية بعد تدخل خارجي، والفراغ أخطر من أي موقف سياسي»، موضحاً أن «ما فعلته أميركا اليوم يشبه كثيراً ما حدث في العراق، عام 2003».
ورأت مصادر ميدانية، في كاراكاس أن «الخوف ليس من التغيير، بل من المجهول الذي يرافقه»، حيث قالت ماريا فرنانديس، وهي من سكان المدينة، لـ«الأخبار» إن «الشعور اليوم أسوأ من ذاك الذي عشناه في بدايات الأزمة الاقتصادية، عام 2017»، موضحة أنه «على الأقل كنا يداً واحدة ونتدبر أمورنا على عكس ما يجري اليوم في ظل انقسام الشعب حول ما يجري».
في المقابل، هناك في كاراكاس من يؤيد ما قام به ترامب. حيث اعتبرت جيني تورينا، إحدى المعارضات لنظام مادورو، في حديثها لـ«الأخبار» أن «ما حدث قد يغير وضع البلاد إلى الأفضل»، مضيفة: «لن نخسر أكثر مما خسرناه إذا أعطينا فرصة للأميركيين لتغيير النظام السابق».
وفي السياق نفسه، رأى أليخاندرو رودريغز أن «ما قامت به واشنطن كان الحل الوحيد لكي يتخلى مادورو عن الحكم».
مخاوف على الثروات
يسيطر على الفنزويليين قلق واسع حول من سيتحكّم بالموارد الوطنية، خصوصاً النفط والمعادن، في مرحلة انتقالية قد يفرضها الخارج.
وقال الخبير الاقتصادي الفنزويلي، إدواردو سالاس، لـ«الأخبار» إن «الحديث لا يدور فقط حول السلطة، بل حول من سيتحكّم بالموارد الوطنية»، لافتاً إلى أن «التجارب السابقة تجعل هذه المخاوف مشروعة».
وأشارت كارولينا لوبيز، موظفة في قطاع الخدمات، إلى أن «الحديث في الممرات الحكومية، يدور حول النفط أكثر من الأسماء»، مضيفة أن «الخوف هو أن تُدار الموارد من الخارج تحت عناوين سياسية».
ولفتت الطالبة الجامعية، دانييلا أورتيغا، إلى أن «جيل الشباب قلق من ربط أي مرحلة انتقالية بشروط اقتصادية دولية»، مشددة على أن «حماية الثروات الوطنية تبقى أولوية مهما تبدّلت القيادات».
وفي السياق، قال باحث في الشؤون اللاتينية، لـ«الأخبار» إن «البلاد دخلت مرحلة تعليق سياسي»، مشيراً إلى أن «الأسابيع المقبلة ستحدّد ما إذا كان المسار سيبقى مضبوطاً أو سيتجه نحو عدم استقرار طويل».
إقليمياً ودولياً، تُتابَع التطورات بحذر. ففنزويلا، بثرواتها النفطية وموقعها السياسي، تبقى ساحة حساسة في ميزان القوى. ويرى مراقبون فنزويليون أن أي مسار يُفرض من الخارج سيبقى «رهناً بمدى تماسك الداخل وقدرته على إدارة المرحلة الانتقالية».
حتى الآن، لا مؤشرات إلى تسوية سريعة ولا إلى انهيار شامل. ما هو ثابت أن اللحظة الحالية تمثّل منعطفاً حاداً، وأن التشبيه الذي يردّده الفنزويليون بصباح العراق في 2003 يعكس قلقاً جماعياً من مرحلة مجهولة المعالم.
فهل ستنجح فنزويلا في تجاوز الصدمة، أم أن الفراغ سيترك بصمته على مستقبل البلاد؟

